أحمد بن محمد القسطلاني
38
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
بضم أوله وكسر الجيم وتشديد النون من أجن الشيء إذا ستره . وذكرها الخطابي في شرحه للبخاري كرواية الحميدي ( وتعفو أثره ) بفتح الهمزة واالمثلثة وتعفو نصب عطفًا على تخفي وكلاهما مسند إلى ضمير الجبة وعفا يستعمل لازمًا ومتعديًا تقول : عفت الديار إذا درست وعفاها الريح إذا طمسها ودرست وهو في الحديث متعد أي تمحو أثر مشيه لسبوغها . يعني : أن الصدقة تستر خطايا المتصدق كما يستر الثوب الذي يجر على الأرض أثر مشي لابسه بمرور الذيل عليه فضرب المثل بدرع سابغة فاسترسلت عليه حتى سترت جميع بدنه . والمراد أن الجواد إذا همّ بالصدقة انفسح لها صدره وطابت بها نفسه فتوسعت بالإنفاق . ( وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئًا إلا لزقت ) بكسر الزاي أي التصقت ( كل حلقة ) بسكون اللام ( مكانها فهو يوسعها ولا تتسع ) ولأبي الوقت : فلا تتسع بالفاء بدل الواو وضرب المثل برجل أراد أن يلبس درعًا يستجن به فحالت يداه بينها وبين أن تمر على سائر جسده فاجتمعت في عنقه فلزمت ترقوته . والمعنى : أن البخيل إذا حدّث نفسه بالصدقة شحت نفسه وضاق صدره وانقبضت يداه . ( تابعه ) أي تابع ابن طاوس ( الحسن بن مسلم ) هو ابن يناق في روايته ( عن طاوس في الجبتين ) بالموحدة وهذه المتابعة أخرجها المؤلّف في اللباس في باب جيب القميص . ( وقال حنظلة ) بن أبي سفيان في روايته ( عن طاوس جنتان ) بالنون بدل الموحدة وهذا ذكره المؤلّف أيضًا في اللباس معلقًا ، ووصله الإسماعيلي من طريق إسحاق الأزرقي عن حنظلة ( وقال : الليث ) بن سعد : ( حدّثني ) بالإفراد ( جعفر ) هو ابن ربيعة ( عن ابن هرمز ) عبد الرحمن ( سمعت أبا هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( جنتان ) بالنون أيضًا ورجحت هذه الرواية على السابقة لقوله من حديد والجنة في الأصل الحصن وسميت بها الدرع لأنها تجن صاحبها أي تحصنه . 29 - باب صَدَقَةِ الْكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ } - إِلَى قَوْلِهِ - { غَنِيٌّ حَمِيدٌ } ( باب صدقة الكسب والتجارة لقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ } أي من التجارة الحلال كما أخرجه الطبراني وابن أبي حاتم عن مجاهد { ومما أخرجنا لكم من الأرض } [ البقرة : 267 ] أي ومن طيبات ما أخرجنا لكم من الحبوب والثمار والمعادن فحذف المضاف لتقدم ذكره ( إلى قوله غني حميد ) أي غني عن إنفاقكم وإنما يأمركم به لانفاعكم وسقط في رواية غير أو ذر : { ومما أخرجنا لكم من الأرض } ولم يذكر في هذا الباب حديثًا على عادته فيما لم يجد على شرطه والله أعلم . 30 - باب عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ ( باب ) بالتنوين ( على كل مسلم صدقة فمن لم يجد ) ما يتصدق به ( فليعمل بالمعروف ) . 1445 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ . فَقَالُوا : يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ ؟ قَالَ : يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ . قَالُوا : فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ؟ قَالَ : يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ . قَالُوا : فَإِنْ لَمْ يَجِدْ . قَالَ : فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ ، وَلْيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ ، فَإِنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ » . [ الحديث 1445 - طرفه في : 6022 ] . وبه قال : ( حدّثنا مسلم بن إبراهيم ) القصاب قال : ( حدّثنا شعبة ) بن الحجاج قال : ( حدّثنا سعيد بن أبي بردة ) بضم الموحدة وسكون الراء ( عن أبيه ) أبي بردة عامر ( عن جده ) جد سعيد أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - ( عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أنه ( قال ) : ( على كل مسلم صدقة ) أي على سبيل الاستحباب المتأكد ولا حق في المال سوى الزكاة إلا على سبيل الندب ومكارم الأخلاق كما قاله الجمهور ( فقالوا يا نبي الله فمن لم يجد ) ما يتصدق به ( قال : يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق قالوا : فإن لم يجد قال : يعين ذا الحاجة الملهوف ) بالنصب صفة لذا الحاجة المنصوب على المفعولية والملهوف شامل للمظلوم والعاجز ( قالوا : فإن لم يجد ) أي فإن لم يقدر ( قال : فليعمل بالمعروف ) . وعند المؤلّف في الأدب من وجه آخر عن شعبة فليأمر بالخير أو بالمعروف . وزاد أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة : وينهى عن المنكر ( وليمسك عن الشر فإنها ) بتأنيث الضمير باعتبار الخصلة التي هي الإمساك ( له ) أي للممسك ( صدقة ) والحاصل أن الصدقة تكون بمال موجود أو بمقدور التحصيل أو بغير مال وذلك إما فعل وهو الإعانة أو ترك وهو الإمساك عن الشر ، لكن قال ابن المنير : حصول ذلك للممسك إنما يكون مع نيّة القربة به وفيه تنبيه على أن الترك فعل ، ولذا جعل الإمساك والكف صدقة ولا خلاف أن الصدقة فعل فقد صدق على الترك أنه فعل . ورواة